محمد بن محمد ابو شهبة

65

المدخل لدراسة القرآن الكريم

على فرض صحّتها التصريح بنزول الآيتين عن طريق التكليم . وأيضا فالإسراء والمعراج كان قبل الهجرة بمكة ، وسورة البقرة كلها مدنية ، فكيف تنزل خواتيمها بمكة ! وأما حديث « عدي بن ثابت » الذي أخرجه ابن أبي حاتم ، فليس فيه أن اللّه أنزل هذه الآيات وإنما كل ما فيه : التمنن عليه بالمنن التي ذكرت في هذه الآيات ، ولا سيّما وألفاظ الحديث مغايرة للنص القرآني للآيات ، مما يستبعد معه أن تكون الآيات نزلت في هذا التكليم ، والظاهر أن السورتين نزلتا قبل ذلك ؛ لأن التمنن إنما يكون بأمر معروف معلوم للمخاطب . فالحق ما قاله الإمام السيوطي أولا ، وهو أنه ليس في القرآن من هذا النوع شيء . تلقي النبي القرآن عن جبريل وهو على ملكيته والذي نقطع به - واللّه أعلم - أن القرآن الكريم كله نزل في الحالة الأولى ، وهي الحالة التي يكون فيها جبريل على ملكيته ، وتحول النبي صلى اللّه عليه وسلم من البشرية إلى الملائكية ، وهذا هو الذي يليق بالقرآن الكريم ، ونفي أي احتمال ، أو تلبيس في تلقيه ، ولم أقف قط على رواية تفيد نزول شيء من القرآن عن طريق جبريل ، وهو في صورة رجل ، وكل ما جاء من ذلك في الأحاديث الصحاح كحديث جبريل المشهور وسؤاله النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ، والساعة وأشراطها ، فإنما هو في وحي السنة لا في وحي القرآن . نعم هناك قرائن لا تصل إلى حد الأدلة تدل على نزول القرآن بالطريق الأول ، فمن ذلك قول اللّه تعالى : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) [ المزمل : 5 ] أي ثقيلا تلقيه ، وثقيلا علمه ، وذلك إنما يكون في الحالة التي تسود فيها الملائكية عند تلقي الوحي ، وقيل : ثقيلا العمل به ، والقيام بفرائضه وحدوده ، وقيل : ثقيل من الوجهين معا . وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عباس في قوله